لماذا تتبنى الإمارات تشطير اليمن؟ سردية التاريخ والميناء والرغبة في إبقاء اليمن ساحة نفوذ
الكاتب | عبدالمجيد الصلاحي

لم يكن موقف دولة الإمارات من وحدة اليمن، ولا تبنيها العملي لاحقاً لمشاريع التشطير والانفصال، وليد الحرب الأخيرة أو انقلاب الحوثيين عام 2014، بل هو موقف تشكل عبر مسار طويل، بدأ مبكرا وتغذى على هواجس اقتصادية وجيوسياسية، وعلى ذاكرة استعمارية قديمة أعادت إنتاج نفسها بأدوات جديدة.
أول تجلٍّ عملي لهذا الموقف يعود إلى حرب صيف 1994، حين دعمت الإمارات مشروع الانفصال في الجنوب، سياسيا وماليا، وشاركت في تمويل صفقة طائرات «ميغ-29» التي استخدمتها قوات الانفصال في مواجهة الدولة اليمنية.
لم يكن ذلك الدعم تعبيراً عن تقاطع أيديولوجي مع الحزب الإشتراكي، بقدر ما كان تعبيراً مبكراً عن رفض قيام دولة يمنية موحدة قادرة على استثمار موقعها الجغرافي ومواردها البحرية.
بعد هزيمة مشروع الانفصال في يوليو 1994، لم يُغلق الملف، بل دخل مرحلة الكمون الاستراتيجي. استقبلت الإمارات رموز الانفصال، واحتضنت بعضهم سياسياً، وفتحت أبوابها للأموال التي هُربت من عدن بعد الحرب. ومع مرور السنوات، تحولت أبوظبي إلى محطة إعادة تدوير للنخب الانفصالية، وحين سحبت سلطنة عمان جنسية علي سالم البيض عام 2009 لأنه عاد لممارسة عمله السياسي، سارعت أبو ظبي لتكون مظلة إقليمية بديلة للقاءات الانفصاليين.
في أواخر التسعينات بدأ اهتمام إماراتي خاص بجزيرة سقطرى، ليس باعتبارها جزيرة يمنية معزولة، بل بوصفها عقدة استراتيجية في طرق الملاحة الدولية، وهو اهتمام سيتحول لاحقا إلى حضور مباشر بعد 2015.
تكشف وثيقة دبلوماسية إماراتية سرية، مؤرخة في 12 مارس 1997، بعث بها القائم بأعمال سفير الإمارات في اليمن محمد سعيد الكندي، عن اهتمام مبكر واستثنائي بجزيرة سقطرى. الرسالة، المعنونة بـ«تقرير حول جزيرة سقطرى وأهميتها والأطماع المحيطة بها»، نقلت عن مصادر موثوقة شكوك السلطات اليمنية حيال نوايا أمريكية تهدف إلى الحصول على موطئ قدم استراتيجي في الجزيرة، مع حديث عن محاولات لإعادة قيادات اشتراكية خرجت من حرب 1994 وتمكينها من إقامة كيان سياسي فيها.
كما أبرزت الوثيقة الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لسقطرى، مشيرة إلى ثروتها السمكية والزراعية والسياحية، واحتمالات وجود نفط، وموقعها الحاكم للملاحة في بحر العرب. اللافت أن الرسالة رغم توصيفها واقع فقر واسع كانت تعانيه غالبية المحافظات اليمنية آنذاك، اختتمت بالإشارة إلى مساعدات إماراتية نقلت مباشرة إلى الجزيرة عبر رحلات خاصة بطائرات عسكرية، في وقت لم تكن فيه سقطرى مطروحة كملف سياسي في المجال العام، إلا أن السفارة الإماراتية في صنعاء أبدت اهتمامًا غير اعتيادي بها منذ ذلك الحين.
لكن اللحظة الأكثر دلالة في فهم جوهر السياسة الإماراتية تجاه اليمن جاءت عام 2008، حين أُبرم عقد تأجير ميناء عدن لصالح شركة موانئ دبي العالمية لمدة 25 عاما قابلة للتمديد عشر سنوات إضافية. لم يكن العقد اقتصادياً بحتاً بل سياسياً بامتياز.
ففي تلك الفترة تراجع أداء ميناء عدن وسجل تدني واضح في نشاط الميناء من استقبال نحو 500 ألف حاوية سنوياً إلى قرابة 140 ألف حاوية فقط، أي بانخفاض تجاوز 70%. ميناء كان يُعد ثاني أهم ميناء عالميا في تزويد السفن بالوقود بعد نيويورك، جرى تعطيله عملياً، في الوقت الذي كان فيه ميناء جبل علي – الذي تأسس عام 1979 – يُكرس مركزاً بحرياً إقليمياً شبه احتكاري.
إلغاء الاتفاقية عام 2012 لم يُنه الصراع بل كشفه. فقد اتضح أن المشكلة لم تكن في حكومة صنعاء أو في بيئة الاستثمار بل في وجود ميناء عدن ذاته كمنافس محتمل لموانئ الإمارات، وفي وجود دولة يمنية موحدة قادرة -إن استقرت- على تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية مستقلة.
هنا يتقاطع الاقتصاد مع التاريخ. فمشروع «الجنوب العربي» الذي عاد إلى الواجهة بعد 1994 لم يكن اختراعا جديدا، بل إعادة إحياء لمشروع بريطاني قديم، سعى في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى إنشاء اتحاد إماراتي بحري في جنوب الجزيرة العربية، يكون مركزاً مالياً وتجارياً تديره لندن. هذا المشروع انتهى مع قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وضم حضرموت والمهرة، واتجاه الدولة الجديدة نحو المعسكر الاشتراكي.
المفارقة بعد إنهاء مشروع اتحاد الجنوب العربي عام 67 وإعلان جمهورية اليمن الديموقراطية، بعدها بأشهر قليلة فقط وتحديدا في بداية 68 أعلن الشيخ زايد بن سلطان عن تشكيل أول نواة للاتحاد الإماراتي بين أبو ظبي ودبي مع الشيخ راشد أل مكتوم. ثم إعلان الاتحاد في 2 ديسمبر 1971. دولة قامت على الموانئ والتجارة والوساطة، لا على نموذج الدولة القومية ذات العمق السكاني الكبير.
من هنا يتشكل القلق الإماراتي البنيوي: يمن موحد، يمتلك شريطاً ساحلياً على امتداد يتجاوز 2500 كيلومتر، ويشرف على باب المندب، ويملك كثافة سكانية عالية، يعني بالضرورة تقليص الدور الوظيفي للإمارات كمركز تجاري بحري، ويجعلها عرضة لمنافسة إقليمية غير قابلة للاحتواء.
بعد 1994، بدأ التحول في الخطاب الجنوبي نفسه. سعى علي سالم البيض إلى طمأنة الخليج بتغيير مسمى الدولة المقترحة، فحذف كلمة «الشعبية» من اسم «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية». وفي الخلفية، كان عبدالرحمن الجفري، مؤسس رابطة أبناء الجنوب (راج)، يعمل على إعادة تسويق القضية الجنوبية بوصفها مشروع «جنوب عربي» منفتح لا دولة أيديولوجية.
عاد البيض إلى المشهد السياسي عام 2009، وبدأت خطوط التواصل بينه وبين الجفري، بتسهيل إماراتي. وفي يناير 2015، كشفت مصادر سياسية عن لقاء جمع الرجلين في النمسا.
ثم في مارس 2015، رتبت الإمارات لقاءً جنوبياً مغلقاً ضم تسعة من أبرز رموز الجنوب، بينهم علي سالم البيض، علي ناصر محمد، حيدر أبو بكر العطاس، عبدالرحمن الجفري، سالم صالح محمد، هيثم قاسم طاهر، وحسن باعوم. وفي ديسمبر من العام نفسه، جمعت أبوظبي البيض والجفري مجددا، قبل أن يُوقعا في أبريل 2016 على وثيقة «رؤية موحدة حول القضية الجنوبية» في العاصمة الإماراتية.
اللافت في هذه اللقاءات حضور أبو علي الحضرمي (صالح بن علي الشيخ أبو بكر) الذي تحول أخيرا إلى يد الإمارات الخشنة والأمنية في فرض التشطير عبر قوات الدعم الأمني والذي فر هارباً إلى الإمارات مع إنهاء مشروع التوسع الانتقالي في حضرموت مطلع يناير الحالي.
سيطرة المجلس الانتقالي على ميناء عدن عام 2017، في وقت كان فيه ميناء الحديدة خاضعا لتفتيش ومراقبة كاملين من قبل التحالف، فتحت عمليا مسارات تهريب جديدة يُرجح أنها مكنت جماعة الحوثي من إدخال تقنيات ومعدات عسكرية متطورة، ظهرت آثارها لاحقا في الصواريخ التي استهدفت الرياض. هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن الدور الإماراتي الأوسع في دعم الحوثيين ضمن سيناريو تشطيري مزدوج.
فقد ساندت الإمارات جماعة الحوثي في تحركها نحو صنعاء، بالتنسيق مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وهو ما ألمح إليه صالح نفسه حين أكد وجود تنسيق مباشر مع أبوظبي، مؤكداً في لقاء تلفزيوني مع الصحفي أحمد عبدالرحمن على قناة «الميادين» أن العلاقة قامت على تفاهمات غير معلنة، وأن كلا الطرفين «كان يفهم ما يريده الآخر».
هذا المعنى أكده القيادي المؤتمري ياسر اليماني في مقابلة له بتاريخ 10 سبتمبر 2018 مع وكالة سبوتنك، حين قال إن «الإمارات ساهمت بشكل كبير فيما وصلت إليه الأمور في اليمن، فهي من أقنعت الرئيس السابق علي عبدالله صالح، والمؤتمر الشعبي العام، بالتحالف مع الحوثيين، بزعم مواجهة خصوم مشتركين».
كما أشار اللواء السعودي المتقاعد أنور عشقي، في مقابلة مباشرة على قناة «روسيا اليوم» في أبريل 2015، إلى دور دولة خليجية – لم يسمها – قدمت دعماً مالياً لهذا التفاهم، في إشارة فُهمت على نطاق واسع بأنها تعني دولة الإمارات العربية المتحدة.
سعت الإمارات إلى فرض عيدروس الزبيدي القادم من مشروع “رابطة أبناء الجنوب” والداعي للانفصال على أساس مشروع جنوب عربي وضغطت على الرئيس هادي لتعيينه مقابل تأمين وتجهيز قصر معاشيق كمقر للحكومة، وكانت قد مهدت لتلك اللحظة باغتيال اللواء جعفر سعد محافظ عدن 2015، واستطاعت من خلال عيدروس الزبيدي ومشروعه (المجلس الانتقالي الجنوبي) أن تفرض وقائع على الميدان لفرض مشروع الانفصال والذي بلغ ذروته نهاية 2025.
لقد استثمرت الامارات الكثير من الموارد المالية والعسكرية لفرض مشروع الانفصال، مستفيدة من دعم إسرائيلي واضح لخلق كيان جديد قادم من إرث استعماري في المنطقة يخدم دور الإمارات الوظيفي ويساند خارطة الفوضى الإسرائيلية في المنطقة.
محصلة هذه السردية أن الإمارات لا تنظر إلى اليمن بوصفها دولة يجب أن تستقر، بل بوصفها مساحة يجب إدارتها ومنع تحولها إلى قوة. تشطير اليمن بالنسبة لها ليس هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لضمان تفوقها البحري، وخلق عمق تفاوضي في مواجهة السعودية، ومنع قيام دولة يمنية قادرة على استثمار تاريخها وجغرافيتها.



