تعز.. حين تصطدم القوة العسكرية بوعي المدينة، قراءة في القوة المدنية للمجتمعات المحاصرة
الكاتب | توفيق الحميدي

في سبتمبر 2026، تقدمت جماعة الحوثي في أجزاء من ريف تعز والساحل الغربي، وأعادت الحرب إلى أبواب مدينة قاومت إخضاعها لأكثر من عقد. تبدو المفارقة لافتة: كيف تحقق جماعة انتصارات متتالية على الخرائط، ثم تصطدم بمدينة أنهكها الحصار وتفتقر إلى كثير من مقومات القوة العسكرية؟ لا تكفي التضاريس ولا حسابات السلاح للإجابة؛ فتعز تخوض، إلى جانب معركتها على الأرض، معركة أعمق على حق المجتمع في رفض السلطة المفروضة عليه.
تقوم القوة العسكرية على القدرة على التقدم والسيطرة والإكراه، لكن السيطرة ليست مرادفًا للحكم المستقر. فاحتلال موقع لا يعني اكتساب ولاء سكانه، وإسكات الاعتراض لا يعني تغيير القناعات. هنا تتجلى خصوصية تعز: لقد سبق وعيها السياسي سلاحها، ولم تكن مقاومة الحوثيين بداية علاقتها بفكرة الحرية. كانت ساحات عام 2011 تعبيرًا عن مجتمع تشكلت فيه قيم المشاركة والمواطنة عبر التعليم والعمل النقابي والتجارة والهجرة والتجارب الحزبية.
حين وصلت الحرب، تبدلت وسائل الدفاع لا أصل القضية، انتقل جزء من المجتمع من المطالبة السلمية بالتغيير إلى دعم المقاومة المسلحة في مواجهة مشروع يسعى إلى احتكار السلطة. لا يعني ذلك أن كل المقاتلين يمثلون القيم المدنية، أو أن السلاح لا يهددها؛ لكنه يفسر لماذا رأى كثيرون في المقاومة حماية لحق سياسي سابق على الحرب، لا مجرد نزاع على موقع أو مصلحة.
تتسم قوة تعز الداخلية بتعدد مصادرها واستقلالها النسبي عن مركز واحد: مدينة متصلة بريفها، وأسر ممتدة داخل اليمن وخارجه، وذاكرة جمهورية، وفضاء من المعلمين والتجار والطلاب والنساء والنقابيين والمبادرات الأهلية ، هذه الشبكات المدينة لا تنتج جيشا بالضرورة، لكنها تمنح المجتمع قدرة على تعبئة الموارد، واستقبال النازحين، ومساعدة الجرحى، وحفظ معنى التضامن حين تتعطل المؤسسات. والتعددية التي تصعّب توحيد القرار قد تجعل اقتلاع الرفض من المجتمع أصعب أيضًا.
على النقيض، تستمد جماعة الحوثي جانبًا مهما من قوتها من بنية قيادية هرمية، وتعبئة عقائدية، وسيطرة قسرية على المؤسسات والموارد، مدعومة بقدرات عسكرية متطورة. إنها أكثر قدرة على تركيز القوة وإصدار الأوامر، لكن هذا التفوق التنظيمي لا يمنحها قبولًا تلقائيًا خارج بيئتها أو شرعية لفرض تصورها للسلطة. الفارق الجوهري أن تعز تستمد مقاومتها، في جانب واسع منها، من رفض اجتماعي للاحتكار، بينما تسعى الجماعة إلى تحويل الغلبة العسكرية إلى حق في الحكم.
وللوعي أثر نفسي لا يقل عن أثره السياسي ، فحين يرى الناس أن الهزيمة الميدانية لا تلغي عدالة مطلبهم، لا تتحول خسارة موقع بالضرورة إلى انهيار شامل في الإرادة ، تتحول الذاكرة إلى مصدر للثبات، وتتوزع مسؤولية الصمود على العائلة والقرية والحي، فلا يعود مصير المقاومة معلقا بموقع عسكري واحد ، لكن هذا ليس تفسيرا أسطوريا لشجاعة التعزيين؛ فالخوف حاضر، والخسائر حقيقية، والقدرة على الاحتمال تتآكل كلما طال الحصار.
ولا يتجسد الوعي التعزي في الخطب السياسية وحدها، بل يظهر أيضا في اللغة اليومية والسخرية من خطاب القوة، وفي أم تصر على البقاء قرب بيتها، وفي معلم يبحث عن طريقة لاستمرار الدرس، وفي قرية تستقبل من نزح من قرية أخرى. وعمه تحمل جثمان قريبتها علي حتفها لدفنها ، هذه الأفعال لا توقف صاروخا، لكنها تقلص الأثر الذي يرجوه المعتدي من الخوف: تفكيك الروابط ودفع الناس إلى الاعتقاد بأن مقاومتهم بلا معنى. بذلك تتحول الثقافة المدنية إلى قدرة على التعافي، حتى حين تعجز عن منع الألم.
تتيح تجارب المدن المحاصرة فهم العلاقة بين الوعي المدني والقدرة على الصمود، دون إغفال اختلاف سياقاتها التاريخية والسياسية. فقد صمدت لينينغراد، سانت بطرسبورغ اليوم، أمام الحصار النازي نحو 872 يومًا، مستندة إلى إرادة سكانها وتماسكهم الاجتماعي، إلى جانب الدفاع العسكري وخط الإمداد عبر بحيرة لادوغا. ولم يكن الصمود تعبيرًا عن قوة السلاح وحدها، بل عن قدرة المجتمع على تنظيم حياته ومقاومة الانهيار وسط الجوع والقصف والعزلة.
وفي حمص السورية، التي تحولت إلى أحد أبرز رموز الاحتجاج المدني، أظهر سكان أحيائها المحاصرة قدرة استثنائية على التضامن وحماية الروابط الاجتماعية والحفاظ على ذاكرة الحرية رغم القصف والتجويع والعزلة. أما في غزة، فقد تجلت القوة المدنية في شبكات الإسعاف والإغاثة والمبادرات الأهلية والتكافل الاجتماعي، وفي محاولات الحفاظ على مقومات الحياة وسط الدمار والنزوح. وتكشف التجارب الثلاث، رغم اختلاف ظروفها ونتائجها، أن قوة المدن لا تختزل في تحصيناتها العسكرية، بل تستمد جانبًا جوهريًا من وعي سكانها، وتماسكهم، وقدرتهم على تحويل التضامن إلى فعل جماعي يقاوم الخوف والتفكك، ويحافظ على إرادة المجتمع حتى في أشد ظروف الحصار.
هذه المقارنات تقدم معيارا أكثر دقة للصمود: وعي يمنح الناس سببا للاستمرار، وروابط اجتماعية تحوله إلى فعل، ومقومات مادية تمنع تحوله إلى تضحية بلا أفق. وفي تعز، لا يمكن فهم استعصاء المدينة من دون القرى التي تسندها، ولا فهم خطر اللحظة الراهنة من دون الطرق التي انقطعت عنها. فالريف ليس حزامًا عسكريًا فقط، بل امتداد بشري واقتصادي للمدينة؛ واستنزافه يضعف قدرتها على البقاء.
وتكشف تجربة تعز خطأ اختزال القوة في المواجهة بين جيشين؛ فالتقدم العسكري لا يعني بالضرورة إخضاع المجتمع. إذ تحتاج الجماعة المنتصرة إلى تطويع السكان ومؤسساتهم ومدارسهم وأسواقهم وشبكاتهم الاجتماعية، وهي مهمة أكثر تعقيدًا من السيطرة على الأرض. ومن هذه الزاوية، قد يكون التكيف الظاهر حاليًا في بعض مناطق الريف التعزي خادعًا؛ فالصمت الذي يعقب التقدم العسكري قد يعكس صدمة مفاجئة واختلالا مؤقتا في موازين القوة، لا قبولا بالسلطة الجديدة.
ومع استيعاب الصدمة واستعادة المجتمع توازنه النفسي والاجتماعي، يُرجح أن يعود الوعي المتجذر بالحرية ورفض الإخضاع إلى السطح، منتجًا أشكالًا متنوعة من المقاومة المدنية والاجتماعية والسياسية، قد تختلف عن المواجهة المسلحة المباشرة. وهنا تكمن حدود الانتصار العسكري: فقد تستطيع القوة فرض السيطرة على المكان، لكنها تظل عاجزة عن ضمان خضوع مجتمع لم يفقد إرادته، وإنما يحتاج إلى الوقت لاستعادة قدرته على التعبير عنها.
ومع التصعيد الأخير، أصبح الحصار اختبارًا لهذه العلاقة. ففي 20 أكتوبر حذرت الأمم المتحدة من أن إغلاق الطرق ونقص الوقود يهددان الخدمات الصحية والمياه والغذاء في تعز. وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن تعذر الوصول بمساعداته إلى نحو 800 ألف شخص في مناطق النزاع باليمن، بينهم أكثر من 600 ألف في تعز. وحين تُعطّل المياه والمستشفيات وتُقيد حركة المدنيين، لا يعود النزاع على الممرات مجرد مواجهة بين قوات، بل ضغطًا مباشرًا على المجتمع الذي يحمل عبء الصمود.
لذلك يصح القول إن الانتصارات الحوثية تصطدم في تعز بحدود القوة العسكرية، لا أنها هُزمت نهائيًا على أبوابها. فقد تتمكن الجماعة من السيطرة على مزيد من الأرض أو تشديد الخناق، لكن تحويل ذلك إلى قبول اجتماعي أمر آخر. وفي المقابل، قد يصمد الوعي بينما ينهار الحد الأدنى من شروط الحياة؛ ولهذا فإن حماية المدنيين وفتح الطرق وتأمين الإمدادات ليست ملفات إنسانية منفصلة عن المعركة، بل من شروط استمرار المجتمع نفسه.
إذا استطاعت تعز الحفاظ على تماسكها، واستعادة اتصالها بريفها ومحيطها، وتحويل إرادتها المدنية إلى مؤسسات تحمي الناس وتضبط السلاح، فقد يصبح صمودها نقطة تحول تتجاوز حدود المحافظة. أما الاكتفاء بتمجيد التضحيات وترك السكان للاختناق، فيهدد بتحويل البطولة إلى استنزاف طويل. وهنا يكمن درس المدن المحاصرة: إرادة المجتمع تمنع الهزيمة من أن تكون استسلامًا، لكنها تحتاج إلى حماية مادية وسياسية كي تصبح طريقًا إلى النجاة.
لم تثبت تعز أن السلاح عاجز عن احتلال مدينة، بل أثبتت أن قوة المجتمع لا تُقاس بما يملكه من سلاح وحده. فخلف خطوط الدفاع ذاكرة مدنية ترفض أن تصبح الغلبة مصدرًا للحق، ومجتمع يريد أن يبقى صاحب قراره. وهذا هو السؤال الذي تطرحه تعز على مستقبل اليمن: هل تتحول القوة إلى وسيلة لحماية إرادة الناس، أم يظل السلاح وحده من يحدد لمن تكون الدولة؟



