
تتفشّى المناطقية في اليمن، بينما يتناسى المتسابقون على منصّات الإعلام ورسم الحدود أنهم لم يستعيدوا الدولة بعد، حتى يطالبوا بالإنصاف منها أو يرفضوا مركزيتها.
هكذا تُوضَع العربة أمام الحصان، وتُعقَّد المشكلة بدل حلّها.
ما أكتبه هنا هو رأي شخصي، لا يعبّر عن أبناء مأرب؛ فلكل محافظة يمنية مظلوميتها ومطالبها المشروعة. غير أن ما يُفهم من صمت مأرب في هذه المرحلة -بوضوح ودون مواربة- أن أبناءها يخافون اليوم على مأرب نفسها، وعلى بقاء الدولة، أكثر من انشغالهم بتصفية حسابات مؤجلة في ظل متغيرات وطنية دقيقة.
في حديثٍ دار بيني وبين أحد المهتمين بالشأن اليمني، سألني: إلى أين ترى الوضع في اليمن ذاهبًا؟ إلى السلام أم إلى الحرب؟
أجبته بصراحة: لا أملك تصورًا واضحًا أو معلومات موثوقة عن الاتجاه النهائي، لكن ما يشغلني -ويشغل الكثيرين غيري- هو أمر واحد: بقاء الدولة متماسكة، معترفًا بها دوليًا، وقادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين. هذا هو الهمّ الحقيقي.
تحدّث الرجل عن مشهد الأقاليم، وكيف بدأت بعض المناطق ترفع أعلامها، وتصوغ أناشيدها، وبعضها يلوّح بخيارات لم يُفصح عنها بعد. فقلت له:
نعم، يُقال إن مأرب تمتلك نفطًا وموارد، لكن الحقيقة أننا -رغم ذلك- مظلومون أكثر من غيرنا. غير أننا اعتدنا نمطًا مختلفًا من التفكير، ربما تأثّر بذهنية البدوي؛ ذاك الذي إذا نزل المرعى ورأى الضجيج والزحام -لو كان المكان الأفضل- تنحّى بخيمته وإبله إلى زاوية أخرى، لأنه بطبيعته يكره المزاحمة ويحب السعة والفضاء.
قال لي: وبعدين؟
فأجبته ببساطة ووضوح: نحن نحتفظ بمظلوميتنا، ونختار نحن متى نضعها على الطاولة، لا أن نقفز بها في لحظة ازدحام مشاريع.
وطالما أن الدولة ما زالت قائمة -خيمةً لكل اليمنيين- فلن نكون سببًا في زعزعتها أو التأثير على بقائها منصوبة يستظل بها الجميع.
نريد دولة تخرج باليمن من أزمته، تتحوّل من خيمة هشّة إلى قلعة حصينة، يصعب اقتحامها أو إزاحتها.
أما خيارات الدولة الاتحادية أو الفيدرالية، فهي مخارج سياسية مشروعة، لكن مكانها الحوار لا سباق الرايات ولا نشوة اللحظة.
مأرب مظلومة، نعم.
لكنها لن تظلم الوطن، ولن تكون جزءًا من فوضى تُهدر ما تبقّى من الدولة باسم المظلومية.
فهناك لحظات يكون فيها ضبط النفس موقفًا وطنيًا، والصمت وعيًا، وتأجيل المطالب حفاظًا على البيت قبل المطالبة بتقسيم الغرف.”

