مقالات

الحكمة الحضرمية تتغلب على الطيش العابر بعلاقاتها مع السعودية

بقلم | أ. عمار التام - باحث لدى مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية – مأرب

ظل اليمن، عبر تاريخه السياسي وتحولاته الجيوسياسية، مشدودا على الدوام إلى مركز الثقل في الجزيرة العربية، ذلك المركز الذي تمثّله اليوم المملكة العربية السعودية، بوصفها القلب القيادي للعالم العربي، وركيزة الاستقرار، وحاضنة التوازن بين الشرعية والقوة، والقدرة على إدارة المجال الجيوسياسي للجزيرة العربية بأدوات الدولة لا بعقلية المغامرة.

وفي معناها الحضاري والسياسي، يمكن توصيف الدور السعودي بوصفه امتداداً معاصرًا لفكرة الدولة الأموية، دولة الاستقرار، وحماية الفضاء العربي، والانطلاق منه براية التوحيد ووهج الحضارة للعالم، وبناء القوة المتوازنة التي تضبط الإقليم ولا تفجره.

ولم يعد هذا التوصيف مجرد قراءة نظرية، بل حقيقة تؤكدها النجاحات المتراكمة التي حققتها المملكة داخلياً، وحضورها الدولي المتصاعد، في ظل قيادة سمو الأمير محمد بن سلمان، بما جعلها فاعلاً مركزياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية، وبالأخص في اليمن.

في هذا السياق، تبرز الحكمة الحضرمية بوصفها عقلاً سياسياً راشداً، لا ينجرّ خلف الشعارات، ولا يراهن على المغامرات، ويقرأ التحولات بواقعية، ويُغلب منطق المصير المشترك على أوهام المغالبة والاستقواء بالخارج.

هذه الحكمة تدرك أن مسار اليمن لا يمكن فصله عن مسار السعودية، وأن بناء علاقة مصيرية معها ليس خياراً تكتيكياً ظرفياً، بل ضرورة توجبها العقيدة ، وتفرضها الجغرافيا، ويؤكدها التاريخ، وتستدعيها معركة إنقاذ الدولة اليمنية من التفكك والتيه.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الطرح لا يتعارض، بأي حال، مع فكرة الهوية اليمنية أو مع المشروع الحضاري لليمن، بل على العكس، فإن محددات الهوية اليمنية، واستنهاض الذات الحضارية لليمن، يرتبطان ارتباطًا أساسيًا بقدرة اليمن على ضبط علاقته بامتداد مسرحه الحضاري الطبيعي في الجزيرة العربية، ومواكبته لطفرة النهوض والنماء والاستقرار السعودي والخليجي ، وإعادة تموضعه في الفضاء الخليجي، بوصفه عمق استراتيجي حضاري واقتصادي وأمني.

وذلك على أساس وثيقة الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يمثل في الوقت نفسه قراراً طبيعياً ومنطقياً لدول المجلس، لطي صفحة اليمن المهدد لجواره الخليجي، وتحويله إلى شريك استقرار لا عبئاً مزمناً ، أو مسرح تصفية حسابات وتنازع نفوذ تخدم أطماع إقليمية ودولية مهددة للجميع .

غير أن مراجعة صادقة لمسار العقد الماضي تفرض طرح سؤال مؤلم ومشروع ،ماذا قدّمت الأذرع الإعلامية اليمنية التي نشطت في عواصم الشتات خلال عشر سنوات؟.

وما القيمة الوطنية التي أضافتها أجنداتها المصاغة على هوى المستضيف، لا على أساس المصلحة اليمنية العليا؟.

لقد تحوّل كثير من تلك المنصات إلى أدوات استقطاب وتشويش، أسهمت في تعميق الانقسام، وإرباك الوعي العام، وإطالة أمد الصراع.

بدل أن تكون رافعة لإعادة صياغة العلاقة المصيرية مع المملكة العربية السعودية، أو منصة لبناء خطاب وطني جامع منسجم مع معادلات القوة والاستقرار في الإقليم.

إن إعادة ضبط هذه العلاقة المصيرية لا يمكن أن تبقى أسيرة التفاهمات السياسية المتقلبة، أو رهينة المزاج الحزبي والصراعات المؤقتة، بل تقتضي نقلها إلى مستوى الثوابت الوطنية.

ومن هنا تبرز أهمية تضمين مادة دستورية صريحة في دستور اليمن القادم، تنظم العلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، وتحصنها من الابتزاز السياسي، ومن تقلبات الصراع الداخلي.

مادة دستورية تنطلق من معادلة العمق والامتداد، وتؤسس لشراكة استراتيجية تكاملية طويلة المدى، تُدار بعقل الدولة لا بعقل الجماعات، وتربط أمن اليمن وتنميته واستقراره بأمن واستقرار محيطه الخليجي.

عندما غابت هذه الرؤية، وغاب تثبيت العلاقة المصيرية في إطارها الاستراتيجي، تحوّل اليمن، منذ أكثر من ستة عقود، إلى جغرافيا جاذبة للمشاريع الإيديولوجية العابرة للحدود، والمهددة لجوارها قبل أن تهدد ذاتها.

فمن ثورة ظفار، مروراً بموجات القومية المؤدلجة، ثم الإسلام السياسي بتفرعاته، وصولاً إلى تمرد الكهنوت السلالي الزيدي في سبتمبر 2014م، ظل اليمن ساحة مفتوحة لتصفية مشاريع لا وطنية.

ولم يكن الاستثناء الأبرز سوى مرحلة ترسيم الحدود في نهاية التسعينات، التي أسهمت في تحقيق استقرار نسبي، سرعان ما خضع لحالة مد وجزر بفعل عودة الصراعات الإيديولوجية وتغولها على منطق الدولة.

وعند تفكيك واقع الملف اليمني بواقعية سياسية، يتبيّن أن جميع الفاعلين الإقليميين والدوليين، مهما تنوّعت أدواتهم، لا يتجاوزون في نهاية المطاف الدور السعودي.

حتى إيران، التي سعت طويلاً لاختراق اليمن، اضطرت إلى إعادة التموضع بعد تفكك محورها الإقليمي وتراجع أدواته، كما أن المنظمات الدولية، مهما تضخم حضورها، يبقى سقف تأثيرها مرهوناً بالموقف السعودي.

ومن عاصفة الحزم، إلى محطات التفاوض، وصولاً إلى أحداث حضرموت الأخيرة، ظلت المملكة العربية السعودية هي الملاذ، والمرجع، وصاحبة الكلمة الحاسمة عند كل منعطف.

غير أن منطق الشراكة المصيرية يقتضي مصارحة لا مجاملة.
فنجاح المقاربة السعودية في اليمن يتطلب معالجة الإشكالات الموازية الخارجة عن قرارها الرسمي في إدارة الملف، خاصة تلك التي أفرزت إخفاقات ميدانية، أو فتحت المجال أمام مشاريع أطماع إقليمية أخرى استطاعت ولو مرحليًا تحقيق اختراقات مؤثرة.

إن توحيد القرار، وضبط الأدوات، ومواءمة الأداء مع الهدف الاستراتيجي، يمثل شرطاً أساسياً لتحويل الثقل السعودي إلى استقرار مستدام في اليمن.

وفي هذا الإطار، يبرز النهج السني السلفي المتوافق مع عقيدة ومنهج المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل رؤية 2030، بوصفه مدخلًا تصحيحياً لإعادة بناء التصورات الأمنية والعسكرية.

نهج يصحح الفهم المغلوط تجاه التشكيلات الوطنية، وفي مقدمتها تشكيلات درع الوطن والعمالقة، ويدفع نحو دمجها المنهجي الكامل ضمن عقيدة وطنية جامعة متوافقة مع نهج المملكة.

دمج يبدأ من مأرب والجوف وشبوة، مرورًا بحضرموت والمهرة، ولا ينتهي إلا بعدن وصنعاء وصعدة، في سياق مشروع استعادة الدولة، وتوحيد القرار، وبناء قوة وطنية منسجمة مع عمقها الاستراتيجي الطبيعي.

وخلاصة القول، فإن الحكمة الحضرمية لا تنظر إلى المملكة العربية السعودية كفاعل خارجي، بل كعمق مصيري وامتداد حضاري وجيوسياسي طبيعي.

وهي تدرك أن اختصار طريق الاستقرار في اليمن لا يمر عبر عواصم الشتات، ولا عبر تضخيم الأدوار الهامشية، بل عبر تثبيت العلاقة مع المملكة في الوعي الوطني، وفي الدستور، وفي الممارسة السياسية والأمنية، وبما ينسجم مع هوية اليمن ومشروعه الحضاري، ومع متطلبات الأمن الجماعي الخليجي في آنٍ واحد.

فعندما تُضبط البوصلة على هذا الأساس، يتحول اليمن من ساحة صراع إلى شريك استقرار، ومن عبء جيوسياسي إلى عمق داعم لأمن الخليج العربي ومستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى