
من حق رفاقنا في المجلس الانتقالي (سابقا) المطالبة بتقسيم اليمن إذا رأوا أن هذا الخيار يخدم مصالحهم ومناطقهم. وفي المقابل، من حقنا أن نتمسك بالوحدة الاتحادية التي تضمن حقوق ومصالح الجميع، وأن ندعم أي مكون جنوبي أو شرقي يرى أن بناء دولة يمنية اتحادية عادلة هو الطريق الأقرب والأسلم إلى الاستقرار والتنمية وحماية المصالح الوطنية والإقليمية والدولية.
يحاول البعض حرمان اليمني الشمالي من الحق في إبداء رأيه، بحجة أن قرار “سحق الوحدة” قرار جنوبي بحت. وهذا موقف لا يستقيم سياسيا ولا قانونيا ولا منطقيا ولا حتى من الناحية الإنسانية.. لماذا؟!
بداية، لا يوجد كيان جنوبي واحد يحتكر القرار. هناك اتجاهات متعددة ورؤى متباينة بشأن المستقبل. وبالتالي القول إن “الجنوب قرر” بهذه الصيغة التي يقدمها أنصار عيدروس مسألة بحاجة إلى إعادة نظر لأنها تعتمد على وجود كيان واحد وهذا الكيان غير موجود واقعيا.
من جهة أخرى، الانفصال ليس حقا أحاديا في القانون الدولي، بل حق مشروط لا يُعترف به إلا في حالات الاستعمار أو التمييز العنصري الممنهج. وهكذا تعاملت الدول الديمقراطية مع حالات مشابهة (كيبيك في كندا، واسكتلندا في بريطانيا، وكتالونيا في إسبانيا)، وذلك وفق مبدأ “تقرير المصير الداخلي” وليس “التقسيم الأحادي” لأن تبعات الانفصال لا تتوقف عند الإقليم المنفصل بل تشمل الدولة بأكملها والجوار والمجتمع الدولي كذلك. كيف تريد أن تمزقني ويكون القرار لك وحدك؟!
قرار تفكيك أي بلد لا يخص طرفا واحدا فيه، لأن تبعاته ليست محدودة بمنطقة. الغاز والنفط والموانئ والممرات البحرية والمجال الجوي وممرات السيول والسدود والعملات النقدية والبنوك والديون والعلاقات المجتمعية والسيادة والأمن الدولي وكثير من الملفات المشتركة والمعقدة جدا. لذلك فإن أي تصور عقلاني للمستقبل لن يتم إلا عبر تفاهم سياسي يراعي مصالح كل الأطراف لا عبر فرض قرار فوقي من طرف واحد يرى أنه الوحيد صاحب الحق في تحديد القرار.
لدينا عدد كبير من الجماعات الانفصالية في العالم، وبعضها كانت دولا مستقلة.. اعطوني دولة واحدة فيها نظام أو مجتمع لا يعارض التقسيم.. هذه ردة فعل عفوية وطبيعية لأي مجتمع يراد تمزيقه. فلماذا تمنعون اليمني الوحدوي (الشمالي والجنوبي والشرقي والغربي) من حقه في تمسكه بوحدة بلاده؟!
وبناء على ما سبق، لكل اليمنيين الحق أن يكون لهم صوت في هذا النقاش. الوحدة حين أعلنت في مايو 1990 ألغت وجود الكيانين السابقين قانونيا ودستوريا، وخلقت كيانا جديدا يحمل المسؤوليات والقرارات والمصائر بشكل مشترك. هنا لا أتحدث بعاطفة بل أصف الواقع قانونيا.
ما تم نهاية القرن الماضي هو إلغاء اليمن الشمالي كما تم إلغاء اليمن الجنوبي..! ليس من المنطقي فرض الوحدة بالأمس، وفرض الانفصال اليوم. قاعدة التفاوض يجب أن تكون: ما هي مصالح كل اليمنيين وكيف؟! لا نريد الإجابات الانشائية والعاطفية التي نسمعها في ساحات الاعتصام أو مساحات (X) تويتر سابقا.. بل نريد دراسات وبحوث تساعد في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية.
لماذا أقول هذا الآن؟ لأننا نسمع اليوم خطابا تقسيميا يمتلك آلة إعلامية قوية ومنظمة مدعومة إقليميا لسنوات طويلة. لا أعيب ذلك، لكن ما ينقص الساحة اليوم هو بناء تكتل إعلامي يواكب الأصوات الجنوبية والشرقية التي تريد دولة اتحادية حديثة لا ثنائية ولا مركزية ولا إقصائية.
من حق أنصار الانتقالي المطالبة بالتقسيم.. ومن حقنا التمسك بالصيغة الاتحادية ودعم أولئك الكبار الذين يفكرون بعقلانية ونضج ومسؤولية وعدالة عندما يتمسكون بمصالح مناطقهم ولا يسعون إلى تفتيت اليمن الكبير.
قرار “فك الوحدة” لا يصح أن يكون قرارا جنوبيا أحاديا لأن الجنوب نفسه لم يعد كيانا سياسيا واحدا، ولأن الانفصال ليس حقا أحاديا في القانون الدولي، ولأن تبعاته ونتائجه تتجاوز النطاق الجغرافي المطالب بالانفصال لتشمل الوطن والدولة والمجتمع الدولي”.



