تحليلات

اتفاق مكة للدفاع المشترك.. قراءة في التحولات الإقليمية ومستقبل اليمن

الكاتب | د. عادل دشيلة

أحاول في هذا المقال قراءة التطورات الإقليمية بما في ذلك تصعيد جماعة الحوثي في اليمن، وإعلان مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. بداية، يمكن النظر إلى الصراع والتنافس بين إسرائيل وإيران على أنه صراع على النفوذ الإقليمي في المنطقة العربية، حيث سعى كل طرف إلى توسيع نطاق تأثيره عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية مختلفة. وخلال السنوات الماضية بنت إيران أذرعها في المنطقة من خلال التحالف مع جماعات ما دون الدولة في كل من اليمن ولبنان والعراق وكذلك تحالفها مع النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد. واستطاعت هذه الجماعات تهديد الملاحة الدولية في الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عدن. ويلحظ أن السياسة الإقليمية الإيرانية هدفت خلال الفترة الماضية إلى توسيع نفوذها عبر بناء شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية وهو ما اعتبرته دول الخليج العربي وباقي الدول العربية وتركيا محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى.

وفي المقابل، تشير التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة إلى أن إسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية في المشرق العربي وليس الشرق الأوسط فأنا أرفض هذا المصطلح الاستعماري. وسعت إلى التوسع العسكري في الأراضي العربية، كما يحصل في سوريا ولبنان وغزة. وكانت تسعى إلى تكوين تحالف عربي – إسرائيلي لمواجهة إيران، بحيث تصبح دول الخليج والدول المجاورة لإسرائيل مجرد جزء من هذا التحالف الذي تقوده إسرائيل. ومن خلال ذلك، تستطيع إسرائيل عزل تركيا عن محيطها العربي. إلا أنه اتضح أن دول الخليج غير مستعدة للتحالف مع إسرائيل باستثناء الإمارات.

وسعت إسرائيل أيضاً إلى تطويق مصر من خلال بناء علاقات مع إثيوبيا، والسعي إلى ترسيخ نفوذ لها في البحر الأحمر، فضلاً عن اعترافها بما يسمى “صومالي لاند” أو أرض الصومال، وذلك في إطار مواجهة التمدد التركي في القرن الأفريقي. وفي هذا السياق، يبدو أن إثيوبيا ما تزال تسعى إلى الحصول على منفذ سيادي على البحر الأحمر. فعلى الرغم من استخدامها موانئ في أرض الصومال؛ فإن ذلك لم يحقق طموحها في امتلاك منفذ بحري يخضع لسيادتها الكاملة. وبعد تعثر مساعيها للوصول إلى البحر عبر الترتيبات التي سعت إليها مع أرض الصومال وفي ظل رفض الاتحاد الأفريقي أي خطوات تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تقوم على الاعتراف بما يسمى “صومالي لاند” يبرز احتمال سعي أديس أبابا إلى فتح خيارات أخرى من بينها تصاعد التوتر مع إرتيريا بما قد يفضي إلى صراع على الموانئ المطلة على البحر الأحمر.

ومؤخراً، قامت السعودية بتأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادتها لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. وسيكون لهذا التحالف، وفق هذا التصور، قدرة على مواجهة الأخطار الإقليمية، بما في ذلك أي محاولة من قبل الدول التي تريد خنق دول المنطقة، مثل إيران وجماعات ما دون الدولة الموالية لها كالحوثيين في اليمن وكذلك إسرائيل. كما تم الإعلان في مكة عن اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ولهذا، فإن أي اعتداء على السعودية قد يعد اعتداءً على هذه الدول مما قد يضطرها إلى التدخل عسكرياً ضد أي هجمات قد تقودها إيران أو الحوثيون أو جماعات الحشد الشعبي في العراق. ويمكن القول إن هذا الاتفاق يمثل رداً على أي محاولة إيرانية أو إسرائيلية للهيمنة على منطقة المشرق العربي، أو أي محاولة لإعادة تغيير الخارطة السياسية للدول الوطنية في المنطقة. وقد يكون هذا التحول الكبير بداية لتشكيل محور إقليمي أوسع، قد تنضم إليه مصر لاحقاً ودول أخرى.

أما بالنسبة لتصعيد الحوثيين في اليمن، فأرى أنه قد يكون تصعيدهم جزءً من استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق الصراع بما قد يؤدي إلى انخراط السعودية ودول أخرى بصورة أكبر، كما قد ينعكس على حسابات الولايات المتحدة وإيران. ويمكن القول إن الحوثيين وبالتنسيق مع الحرس الثوري والحشد الشعبي يريدون جر الولايات المتحدة إلى هذه الحرب في اليمن بهدف هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس نهاية هذا العام. وفي حال هُزم حزب ترمب في الانتخابات فمن الصعب أن يستمر في حربه ضد إيران. ولهذا، فإن النظام الإيراني أوعز إلى الجماعة الحوثية وجماعات ما دون الدولة في العراق، بالتعاون مع الحرس الثوري بتفجير الوضع. وإذا نجحت إيران في ذلك فقد تتغير قواعد اللعبة وتدخل المنطقة في صراعات عسكرية واسعة النطاق. وفي نهاية المطاف، إذا فاز الحزب الديمقراطي، فقد يدخل في حوار مع إيران لتسوية الأزمة بما يسمح لإيران بإعادة بناء نفسها من جديد. وفي المقابل، فإن القوى اليمنية المحلية في الداخل لا تمتلك غطاءً جوياً لمواجهة الطيران المسيّر الحوثي والصواريخ الباليستية.

وفي تصوري الشخصي، فإن ما تحتاجه الحكومة اليمنية اليوم ليس التصعيد العسكري الشامل وإنما إيجاد وسائل ردع فعالة. ويتمثل ذلك في السيطرة على محافظة الجوف كخطوة أولى. وفتح الباب أمام الجيش للتسلح بأسلحة نوعية قادرة على إحباط الصواريخ الحوثية والطيران المسيّر. وفي ظل هذا التحالف المعلن بين السعودية وتركيا وباكستان، تستطيع الحكومة اليمنية شراء أسلحة نوعية في أقرب وقت ممكن. ولكن يتطلب ذلك قيادة وطنية مخلصة وجادة تخرج من رحم المعاناة وليس قيادة ملطخة بالفساد وغارقة فيه. فهذه النخبة الموجودة في السلطة التي لم تستطع أن توجد لها موطئ قدم في الداخل لا يُعوَّل عليها في استعادة الوطن. ولهذا، من الممكن أن تفتح القيادات الميدانية في الداخل حواراً مباشراً مع الإقليم وخاصة مع قادة التحالف الثلاثي الذي أُعلن عنه في مكة اليوم. وفي النهاية، يحتاج اليمن إلى سلام عادل وشامل وحقيقي. لكن يجب أن يكون هذا السلام وفقاً لمصالح اليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وليس لمصلحة فصيل مسلح هنا أو هناك. حفظ الله اليمن أرضا وإنسانا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى